السبت، 15 يوليو 2023

تبليغ الاخبار الطبية السيئة


 كثيراً ما يواجه الطبيب  مواقف صعبة يقف عندها أمام المريض أو أهله، ويواجههم بحقائق مؤلمة، وذلك مثل اكتشاف مرض خطير كالسرطان وغيره، أو الحديث عن تقدم المرض وتضاؤل فرص الشفاء

وهنا يحاول بعض الأطباء إخفاء بعض الحقائق أو تجنب الحديث عنها؛وذلك حرصًا على شعور المريض، أو تجنبًا لشعوره بعجزه كطبيب، بينما يلجأ البعض إلى استعمال تعبيرات مؤلمة غير عابئ بمشاعر المريض أو أهله، كالحديث عن استفحال المرض دون أية مقدمات، ومصارحة المريض أّن عليه مواجهة الموت المحّتم والذهاب إلى البيت لانتظار قدره. 

وقد كثر الحديث عن أفضل الأساليب المتبعة لمساعدة الطبيب على قيامه بدوره الإنساني في هذا الوقت العصيب. فالواجب الطبي يقتضي من الطبيب أن يجيب على أسئلة المريض بصراحة ولا يجوز له أن يعطيه الأمل الكاذب، كما لا يجوز له أْن يضلله بأماني ليس لها أساس، ومن جهة أخرى يجب أن يراعي نفسية المريض ومشاعره عند الحديث عن هذه الأمور الخطيرة والحساسة.

ونلاحظ هنا أن الثقافة تلعب دوراً هامًا في هذا الموضوع؛ فأهل المريض في المجتمعات الشرقية يميلون إلى إخفاء حقيقةالمرض عن المريض حرصًا على مشاعره، فيما تنصح المرجعيات العلمية بضرورة أن يعلم المريض بتفاصيل مرضه في حال طلب ذلك احتراماً لحقه كإنسان صاحب قرار.

وهنا تتحدث الجهات الطبية المختصة بهذه الأمور عن سِّت خطوات ينصح الطبيب أو من ينوب عنه باّتباعها عند الحديث مع المريضحاول أن تهّيئ الجو المناسب للحديث عن هذه الأمور. يوصى باصطحاب المريض إلى غرفة هادئة وتجنب الحديث في الممرات أو أثناء زيارة المريض. يجب أن تكون الغرفة مغلقة ومناسبة لجو هادئ بعيداً عن مقاطعة الزوار أو التلفونات، وينصح أن يكون مع المريض شخص مقّرب من الزوجة أو الأب أو الصديق. إجلس قرب المريض ووجه نظرك إليه عندما تتحدث معه.

 إبدأ سؤالك مع المريض عما يعرفه عن ظروف مرضه. فقد تفاجأ وأنت بصدد الحديث عن انتشار السرطان أن المريض لا يعرف عن مرضه شيًء، وفي المقابل قد يكون لديه كلال معلومات التي توّد الحديث عنها  بالأساس. ولذلك فقد تبدأ الحديث بالسؤال: أريد أن أعرف منك الآن ما الذي تعرفه عن مرضك وتطوره حتى هذه اللحظة؟

بعد ذلك  قد تبادره بسؤال في غاية الأهمية قائلاً:يهمني أن أعرف كيف أتحدث إليك وذلك بما يتناسب مع رغباتك، فإذا تبين لي في يوم من الأيام أخبار مزعجة بخصوص مرضك، فهل تود أن أحدثك عنها بالتفصيل؟ أم أنت من النوع الذي لا يود أن يعكر صفو حياته بسماع هذه الأخبار؟ وفي هذه الحالة أتفضل أن أصارح أحداً من أهلك بهذه الأخبار. 

فإذا كان من النوع الأول فيمكن أن تتابع حديثك قائلاً: حسنًا..لدي أخباراً قد لاتسرك ويهمني الآن أن أتحدث معك بخصوصها، وهنا ينصح أن تنقل له الخبر بالتدريج، كأن تتحدث إليه في البداية عن شكوكك في أمٍر ما، ثم عن الفحوصات والصور الشعاعية التي أجريتها له والتي أكدْت وجود شيٍء غير طبيعي إلى أن تصل إلى الخبر بكل وضوح كأن تقول: تبين أن السرطان انتشر إلى الدماغ أو العظام .


لا شك أن هذه اللحظات حرجة وهامة لدى المريض، فسوف تهزه الكلمات من الأعماق وتبدأ الأفكار والمخاوف والأسئلة تزدحم في عقله؛ لذلك عليك هنا أن تسكت تمامًا، وتعطي الفرصة للمريض فسوف يبدأ بطرح عشرات الأسئلة حول المرض ومستقبله وفرص شفائه وغير ذلك، وهنا عليك أن

تجيب على أسئلته بكل وضو ٍح وشفافية.

العاملان الأساسيان هما حسن الاستماع وإعطاء الوقت الكافي للمريض للتعبير عن أحاسيسه وطرح أسئلته، إضافة إلى روح التفهم والتعاطف والرحمة التي يجب أن تتحلى بها كإنسان يقف مع مريضه في هذه الظروف الصعبة. لا يمكن أن تغفل أهمية الدعم النفسي للمريض كقولك: أنا أشعر جيداً بما تعاني منه وأتألم معك.. لا بد أن هذا صعب عليك.. أنا أفهم ذلك.. ماذا تنوي أن تفعل؟.. أنا معك وسوف أقدم للم مل ما في وسعي، ولن أتخلى عنك



تأكد ألا تنهي اللقاء مع المريض وهو عاجز محبط ليس لديه خطة واضحة، ومهما صعبت ظروف المرض وتطوراته، يجب أْن تكوَن لديك دائمًا خطة تتبعها مع المريض، فقد تقول له: رغم تطور المرض وصعوبته فسنعمل سويًا لتخفيف الألم وأعراض المرض، وقد تركز على تحسين نوعية الحياة لدى المريض. المهم ألا تشعر المريض أن مهمتك كطبيب انتهت وأنه ليس له مكان عندك. ولا بد من تعزيز فرص الأمل الاتفاق  مع المريض على أهداف قابلة للتحقيق.

تجدر الإشارة هنا أن الجدل قائم بين المدرسة الغربية القائمة على المصارحة التامة وبين طبيعة المجتمع الشرقي الذي يوّجه الطبيب ويطلب منه أن يتجنب الحديث مع المريض حول الجوانب السلبية من مرضه وذلك حرصًا على نفسية

المريض ومشاعر ومن الصعب هنا أن ننحاز لجهة دون أخرى، لكن ينصح في مثل هذه الحالات بالموازنة بين الاتجاهين، فمن الضروري إعطاء مساحة للتفاؤل عند المريض وليس معلومات خاطئة، كذلك من الضروري تجنب الحديث عن اقتراب الموت وانتهاء الأمل، ولكن يجب تذكير الأهل بأن الواجبات الاجتماعية والدينية تحتم على المريض أن يتعرف على ظروف مرضه الصعبة حتى يهيئ نفسه ويسدد الحقوق المطلوبة منه اتجاه

ربه وأسرته ومجتمعه في الوقت المناسب.

ولذلك لا بأس من الحديث بشكل عام عن تطور المرض مثلاً مع عدم إحباط كل فرص الشفاء والأخذ بقول سيدنا عمر ابن الخطاب (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك  تموت غداً) 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليلة حريق بقيمة نصف مليون !!

 لعل الحريق الهائل الذي التهم مستودعات صديقي ابو محمد كان من اشد البلايا التي تعرض لها في حياته المهنية  . كيف لا وقد قدرت الخسائر بنحو نصف ...