لعل الحريق الهائل الذي التهم مستودعات صديقي ابو محمد كان من اشد البلايا التي تعرض لها في حياته المهنية . كيف لا وقد قدرت الخسائر بنحو نصف مليون دينار!! في وقت كان هو تحت استحقاقات مالية ضخمة و ديون ثقيلة والتزامات عائلية صعبة. حاولت بكل ما اوتيت من فصاحة وبيان ان اخفف عنه هول المصاب عندما زرته فور وصول الخبر ولكن اعترف انني عجزت عن الحديث عندما جلست معه وسمعت حديثه . كان في حالة عجيبة من السكينة والهدوء وحضور القلب . فهمت منه ان جل همه كان ان لا يصاب احد العاملين باذى . وعندما اطمئن الى ذلك عاد الى بيته وجمع عائلته والقى فيهم خطابا موجزا ذكر فيه رحمة الله و لطفه بعباده واكد لهم ان ما حدث لا يعدو ان يكون ازمة وسوف يستعين بالله وحده و يقوم ليكمل المسير . حاول اصدقاؤه ان يقنعوه بتسريح جزء من العمالة في سبيل تخفيف المصاريف لكنه رفض بشدة وقال: وما ذنب هؤلاء المساكين ؟!!
لله درك يا ابا محمد .. ما بينك وبين الله وقد نزل عليك تلك السكينة وانت تتلقى ضربة كافية لتزلزل اعتى قلوب الرجال وتفقدهم توازنهم ؟ لم اتملك نفسي من ان اساله هذا السؤال لافهم كيف عمل هذا الرجل العظيم على نفسه حتى وصل الى تلك الحالة.
ابتسم ابو محمد وقال : الواقع انني مبتهج وسعيد لسبب بسيط . وهو انني لم اكن اتصور انني قادر ان اتلقى مثل تلك الضربة دون ان افقد صوابي ولكنني فعلت !! فعلت وعشت حالة عجيبة من التوكل والرضا .. وهذا برأيي شئ عظيم وهي نعمة تستحق الشكر . اتعلم يا صديقي .. هذه ليست اول محنة اصاب بها ولن تكون الاخيرة .. ولكن الحياة علمتني ان خسارة المال تعوض بشرط ان لا تخسر نفسك ولا تتخلى عن قيمك ولا تنال من ايمانك بربك. وعلمتني ان ردود افعالنا تجاه الاحداث الاليمة في حياتنا هو ما يقرر مصيرنا وليس الاحداث نفسها . الم يقل الله تعالى في محكم التنزيل " ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب "؟!! لقد فهمت مضمون تلك الاية وعملت بها ولسوف انام هذه الليلة قرير العين ساكن الفؤاد !!
قبل ايام قليلة جمعتني الفرصة مع هذا الصديق الذي لم تغير الاهوال ولا المصائب من معدنه الاصيل فبقي رغم ما الم به عزيزا قويا صابرا محتسبا و استمر كريما متسامحا طيب المعشر واصلا للرحم مغيثا للملهوف .. لم تكسره تلك المصيبة بل زادته قوة وعزيمة وصلابة، وها انا اراه قد تجاوز ذلك المصاب وبارك الله تعالى في رزقه وعمله وعمره . حينها تذكرت ما قالته السيدة خديجة لسيد البشرية عليه الصلاة والسلام: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". نعم يا ابا محمد .حق على من تحلى بتلك الخصال والقيم ان لا يهون ولا يذل ولا يخزى وانا اشهد !!
الدكتور #محمد_بشناق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق