أذكر عندما عملت في احدى المستشفيات في الاردن وحدث ان احد افراد الادارة لم يكن يحمل لي الكثير من المودة، وقد حاولت جهدي أن احسن علاقتي معه بلا جدوى، بل ازداد خصومة و عدوانا . فقد قرر ان يضيق علي ويدمرني بكل ما أوتي من قوة ومارس سلطاته فلا ترقية ولا تقدير ولا شكر بل جحود واتهام ولوم وتدقيق ووصل الامر به ان رفض اعطائي الكثير من الفرص مثل اجازاتي السنوية وحرمني حضور مؤتمرات دولية او المشاركة في ورشات علمية وابحاث طبية وضيق علي في الانشطة التي كنت اقوم بها في سبيل دعم المرضى والموظفين واستمر في هذه الطريقة الى أن جاء اليوم الموعود. يومها حصل بيني وبينه مشادة ونقاش حاد وصرت امام خطر كبير داهم بأن افقد عملي او اتنازل واقبل بالظلم والطغيان. يومها ذهبت الى البيت وانا في حال لا يعلمه الا الله تعالى وقد اسودت الدنيا في وجهي ولم يبقى لدي الا ان ارفع يدي للسماء وادعو الله عز وجل ان ينصفني من هذا الظلم ويهديني سواء سبيل. هذا هو ما استعاد منه سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام (قهر الرجال ). اذكر يومها ان جائتني مكالمة من صديق عزيز لم أراه منذ وقت طويل وقد علم بما حصل فاتصل بي لكي يطمأن على حالي ودار بيننا هذا الحوار:
- اخبرني ما الذي حصل معك؟
فبدأت اروي له ما حدث معي وهو يتابع باهتمام وتعاطف وسالني عن التفاصيل حتى انتهيت من سرد القصة ثم سكت قليلا وقال: وماذا تشعر الأن فقلت طبعا أشعر بالغضب والاحباط فقال الحق معك هذا شيء ليس بالسهل ابداً انا افهم جيداً ماذا تقول واقدر مشاعرك. والان قل لي ماذا تنوي ان تفعل؟
فقلت له يبدو لي ان هذا العمل لا يستحق مني هذا العطاء وهذه التضحية فالذي يعمل ويقدم هنا بتفاني يعاقب اما المهمل يجازى ويتقدم ولذلك فقد قررت ان اعمل بمهامي كطبيب ولا شيء اخر. لا محل بعد اليوم للابداع ولا العمل ولا المبادرة، سوف اتوقف عن الاستمرار في الاعمال التطوعية التي كنت اقدمها لخدمة المرضى والموظفين. سكت قليلا ثم قال: وهل فعلا سوف ترتاح بهذه الطريقة عندما تتنازل عن قيمك وتتخلى عنها بهذه البساطة؟ قلت لا لن ارتاح ولكنهم لا يستحقون. فقال ولكن انت تستحق يا صديقي..تستحق ان تعيش انسانا راقياً كما تعودت. لقد قررت اليوم ان خصمك سوف ينتصر عليك.. نعم بتنازلك عن قيمك سوف يكون انتصر عليك وحقق ما يريد. اذا اردت الانتصار عليه حقا فعليك ان تحافظ على قيمك التي عودت نفسك عليها ولا تسمح له ان يعكر صفو حياتك. تفاجأت بكلامه وشعرت بالصدمة والذهول، وصمت قليلاً ثم قلت: ولكن لا تنسى انني بشر ولست ملاك..انا بشر احتاج لتقدير واحترام وبدون هذا الدافع لن استطيع ان استمر. كلامك.جميل ومنمق ولكن على ارض الواقع الموضوع ليس سهلا ابداً. فقال: بالتأكيد ليس سهلاً ولذلك كان اصحاب الهمة والمتميزون قلائل ومن سواهم يسقطون عن الطريق. فهل تريد ان تكون من هؤلاء ام هؤلاء؟ القرار يعود إليك في النهاية. قل لي أليس لك من مرضاك وزملائك من يقدرونك؟
ألست انت تقدر نفسك وتكافئها؟ أليس تقول انك انسان ملتزم بدينك وأن الله تعالى سوف يكافئك بالثواب الجزيل والأجر العظيم ؟ إذن لماذا تنتظر التقدير من هذا الرجل؟ لك أن تنساه وتتجاهله وتركز على عملك وقيمك.. ما هي قيمك يا محمد؟ فقلت: قيمي هي الابداع والعطاء والعلم فقال وهل تظن ان قيمك اليوم صارت مهددة؟ فقلت طبعا فلن يمنحني فرصة لأقدم مشاريع وافكار ولا يتركني اعمل بدون تدقيق وحصار. فقال قد يستطيع خصمك ان يسلب منك المال والمنصب وغير ذلك اما قيمك فلا يستطيع. لا يستطيع سلب قيمك بل تستطيع ان تحقق قيمك عبر وسائل متعددة وطرق متنوعة ولن يستطيع خصمك سلبها مهما حاول فقلت كيف فقال لا ادري فكر جيداً
في تلك الليلة لم اتمكن من النوم.. بقيت لساعات أفكر وأفكر ..الدعاء ومناجاة الباري سبحانه تعالى وحسن التوكل عليه كان العامل الاهم في علاج هذه الازمة، اضف الى ذلك تدخل هذا الرجل الحكيم في الوقت المناسب. والدور الان حان لدخول عالم في حوار مع الذات في جو مهيب من الصمت والخلوة والتامل!! ووجدت أن كلامه صحيح وواقعي. أن القيم هي جوهر وجودك وسر بقائك ولا يمكن لأحد ان يسلبك اياها. فقد تمكنت بفضل الله تعالى من تحقيق قيمي بطرق خلاقة!!
قررت ان اخذ قرارا متسرعا وانفعاليا بالاستقالة ولكنني دخلت المستشفى مرفوع الرأس ثابت الجأش مهيب الجناب !
صحيح ان هذا الرجل الله يهديه منعني من نشر العلم والخروج بأفكار ابداعية وتخطيط لمشاريع تطوعية تخدم المجتمع ولكنني قررت ان انشر تلك القيم خارج أسوار مكان العمل الذي اعمل فيه. فأسست جمعيتين خيريتين إحداهما هي الجمعية الأردنية للرعاية التلطيفية والأخرى هي الجمعية باب الخير للعمل التطوعي وقد استفاد مئات الآلاف البشر من تلك الجمعيتين وبدأت بتأليف الكتب عوضا عن الاوراق العلمية فقمت بتأليف نحو 6 كتب حتى هذه اللحظة، وغير ذلك العديد من المشاريع والنشاطات وعقد العديد من الدورات والدبلومات المتخصصة والمؤتمرات الدولية والتي خرجت الآلاف من الشباب في مجالات الرعاية التلطيفية وفي العمل التطوعي و قيادة المنظمات غير الربحية وفي الارشاد الروحاني والذكاء الروحاني على المستوى المحلي والدولي. انني اشعر الان بالامتنان لهذا الرجل فقد استفز قدراتي وساعدني من حيث لا يعلم للتعرف على قيمي الشخصية والتمسك بها وترسيخ تلك القيم من خلال هذه الانشطة مما كان له اثر كبير لي ولمن حولي من الناس.
لم اعد اهاب هذا الرجل و شعرت بالراحة والسكينة والرضا تعمر قلبي ووحداني وزال الغم والهم بفضل الله تعالى وله الحمد والمنة. الإنسان فهمت معنى قوله تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ".


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق